الإسلام دين سماحة و إرتقاء بالفكر

الإسلام دين سماحة و إرتقاء بالفكر

فى كازان التابعة لجمهورية تتارستان ( إحدى جمهوريات الإتحاد السوفيتى سابقا ) ، تلك الجمهورية التى تدين بالإسلام، الذى تظهر سماحته فى وجوه كل سكان المدينة.. مسلمين و مسيحيين و يهودا و ملحدين، تم افتتاح مهرجان كازان فى دورته السابعة.. بحضور الشيخ راوى عين الدين رئيس جمعية الإفتاء فى روسيا ، و كذلك ممثل من الكنيسة الروسية الأرثوذكسية ،  و قد تم عرض سبعة أفلام لإيران ومثلها لتركيا وفيلما واحدا لمصر ، ففى مصر لا يهتم المنتجون بمهرجان ميزانيته محدودة ، ولا يحصل فيه النجوم على مبالغ معتبرة لحضوره ، بينما ترسل إيران وتركيا ضعف عدد الأفلام التى تقبل للمشاركة ! .. تغيرت مصر ولم يتغير صانعو القرار الثقافى بها .. إيران وتركيا تهتمان بالمهرجان أكثر من اهتمامهما بمهرجان كان السينمائى الدولى ، رغبة فى التواصل و مد خيوط مع عالم إسلامى لا نرغب نحن فيه ، بينما العالم أرحب من ذلك .. وحتى الإسلام نفسه أرحب من حدود دولة .. إنه دين يحتضن العالم ، وإيران وتركيا بلدان يرغبان فى اكتشاف الإسلام بصورته الرحبة ، أو يرغبان فى فرض قوتهما الخشنة فى السياسة ، و الناعمة فى الفن على العالم كله .

عندما رفضت آثار الحكيم دعوة مهرجان كازان لعضوية لجنة تحكيم هذا العام ، قبلها المخرج التونسى ناصر خمير عضو لجنة تحكيم المهرجان ، ومخرج أفلام " الهائمون " ، و " طوق الحمامة المفقودة " ، و " بابا عزيزة ".. وكان الاختيار رائعا ، فالمخرج التونسى مؤمن ومعتز بثقافته ذات المرجعية العربية الإسلامية كما يتضح من أفلامه ، و أهمها و آخرها " بابا عزيز " ، الذى مسح من خلاله عار الإرهاب والعنف عن الدين الإسلامى السمح بعد تفجيرات 11 سبتمبر ، مقدما فيلمه باللغتين العربية والفارسية .. مهرجان كازان نفسه افتتح أولى دوراته عام 2005 برسالة مفادها " الإسلام دين سمح لا يعرف الإرهاب ، و المسلم إنسان ، حتى إنه يقدم فنا ويعرف السينما " .

استغل المهرجان الاحتفال بمرور ألف عام على إنشاء مدينة كازان عاصمة تترستان ، ليعرض فكرة إقامة المهرجان للترويج لصورة مختلفة عن الإسلام ، فشل المفتى الشيخ فى إيصالها عبر خطبه المتتالية ، فلجأ إلى دعاية أكثر انتشارا لدين يقهره معتنقوه أكثر مما يقهره أعداؤه ، ووصلت الرسالة ونجح المهرجان .

اعتذرت إذن آثار الحكيم ليقبل التونسى ناصر خمير الدعوة ، وحمدا لله على الاختيار الموفق للمهرجان ، الذى ينسق له بدأب الجزائرى " مراد سكيكماية " ، المؤمن بأن القوة الناعمة تصلح جدا لإعادة الصورة الأروع للإسلام ، دون ضجيج الخطب والمقالات ، حتى إن مهرجان كازان يعرض أفلاما فى المسابقة الرسمية هذا العام للولايات المتحدة و اليونان و أستراليا و ألمانيا .

و كلمة " بابا " بالفارسية والهندية والتركية تعني الدرويش، وقد حاول المخرج في هذا الفيلم مسح وجه الإسلام بعد وقوعه في الوحل بعد تفجيرات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 ، و أصبحت نظرة العالم للإسلام مهولة .

وللتعبير عن ذلك : تم تقديم الفيلم بحوار يجمع اللغتين العربية والفارسية للإشارة إلى العمق الجغرافي للحضارة العربية الإسلامية في تمازجهما معا .

يحكى الفيلم قصة العجوز الضرير " بابا عزيز " ، الذى تصحبه حفيدته " عشتار " ، و التى رغم صغرها فإن روحها متوغلة فى القدم كما يقول جدها عنها .

يتجه الإثنان نحو مكان يلتقى فيه - كل 30 عاما - المريدين من مختلف الأصقاع لممارسة الرقص و الغناء ، و هما الوسيلة المثلى لتحييد الروح الداخلى لتسكن فى حضرة الإله ، و ينضم إليهما فى الطريق أناس مختلفون ، لكل منهم هاجسه و طريقته فى التقرب إلى الله ، إلا أنهم يشتركون جميعا فى رحلة الحج عبر الصحراء إلى المكان المنشود .

أثناء الرحلة : تتعرف الطفلة على قصة جدها ، إذ كان أميرا محبوبا قادته غزالة صغيرة إلى بركة ماء صغيرة فى الصحراء ، فرأى انعكاسا : زلزل كيانه و دفعه للبقاء أياما و ليال هائما بالصحراء ، ثم استأنف حياته بثقة و طمأنينة .

تعاقبت الصور السينمائية ، ليدخلنا المخرج فى أجواء ساحرة ، إختارها بعناية ، بحيث لم نعرف إن كنا نشاهد أمكنة حقيقية يعيش فيها الناس بطمأنينة ربانية ، أم أنها أماكن مرسومة بدقة عالية لتبدو أشبه بالأحلام .

الفيلم يمكن قراءته من عدة مستويات ، إلا أنه منذ البداية حتى النهاية ، يؤكد مقولة : ( توجد طرق كثيرة للتقرب إلى الله ، توازى عدد أنفاس الخلائق ) ، و بهذا يمكن اعتباره دعوة للسلام الروحى و إحترام الأخر .

 جدير بالذكر أن كثيرا من المشاهد ، تم تصويرها فى المناطق الصحراوية الحدودية بين إيران و أفغانستان ، و قد عرض الفيلم فى الولايات المتحدة ، ولاقى إقبالا منقطع النظير من الجماهير و النقاد .

و لسوف أترككم لتستمعوا بمشاهدة الفيلم " بابا عزيز " الذى رسم لوحة فنية عالية الجودة فى زمن عز فيه الجمال .


 

الثلاثاء 15 نوفمبر 2011



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل